ابن قيم الجوزية

142

الروح

فصل [ مكان الروح ] فأما من قال هي الجنة : فاحتج بقوله تعالى : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ « 1 » ، قال : وهذا ذكره سبحانه عقيب ذكر خروجها من البدن بالموت وقسم الأرواح إلى ثلاثة أقسام : مقربين : وأخبر أنها في جنة النعيم . وأصحاب يمين : حكم لها بالإسلام وهو يتضمن سلامتها من العذاب . ومكذبة ضالة ، وأخبر أن لها نزلا من حميم وتصلية جحيم ، قالوا : وهذا بعد مفارقتها للبدن قطعا ، وقد ذكر سبحانه حالها يوم القيامة في أول السورة فذكر حالها بعد الموت وبعد البعث واحتجوا بقوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي « 2 » وقد قال غير واحد من الصحابة والتابعين أن هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا يبشرها الملك بذلك ، ولا ينافي ذلك قول من قال : إن هذا يقال لها في الآخرة فإنه يقال لها عند الموت وعند البعث وهذه من البشرى التي قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ « 3 » . وهذا التنزل يكون عند الموت ويكون في القبر ويكون عند البعث ، وأول بشارة الآخرة عند الموت . وقد تقدم في حديث البراء بن عازب أن الملك يقول لها عند قبضها : أبشري بروح وريحان ، وهذا من ريحان الجنة . واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « إنما نسمة المؤمن [ طير ] « 4 » يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعه اللّه إلى [ جسده ] « 5 » يوم يبعثه « 6 » . قال أبو عمرو في رواية مالك هذه بيان

--> ( 1 ) سورة الواقعة ، الآية 91 . ( 2 ) سورة الفجر ، الآية 27 و 29 . ( 3 ) سورة فصلت ، الآية 30 . ( 4 ) وردت في المطبوع : من طائر ، والتصحيح من الموطأ . ( 5 ) وردت في المطبوع : حياة ، والتصحيح من الموطأ . ( 6 ) أخرجه الإمام مالك في موطئه في جامع الجنائز ( ص 117 ) .